الذهبي
64
سير أعلام النبلاء
حوران ، من قرية جاسم . أسلم وكان نصرانيا . مدح الخلفاء والكبراء . وشعره في الذروة . وكان أسمر طوالا فصيحا ، عذب العبارة مع تمتمة قليلة . ولد في أيام الرشيد ، وكان أولا حدثا يسقي الماء بمصر ، ثم جالس الأدباء ، وأخذ عنهم وكان يتوقد ذكاء . وسحت قريحته بالنظم البديع . فسمع به المعتصم ، فطلبه ، وقدمه على الشعراء ، وله فيه قصائد . وكان يوصف بطيب الأخلاق والظرف والسماحة . وقيل : قدم في زي الاعراب ، فجلس إلى حلقة من الشعراء ، وطلب منهم أن يسمعوا من نظمه ، فشاع وذاع وخضعوا له . وصار من أمره ما صار . فمن شعره : فحواك عين على نجواك يا مذل * حتام لا يتقضى قولك الخطل ( 1 ) المذل : الخدر الفاتر فإن أسمح من يشكو إليه هوى * من كان أحسن شئ عنده العذل ( 2 ) ما أقبلت أوجه اللذات سافرة * مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول إن شئت أن لا ترى صبرا لمصطبر * فانظر على أي حال أصبح الطلل ( 3 )
--> ( 1 ) فحواك : من قولهم : عرفت ذلك في فحوى كلامه ، أي : في معناه . والمذل : الذي لا يكتم سره ، والخطل : المضطرب . قال ابن المستوفي : وكأن قوله : " فحواك عين على نجواك " أي : ظاهرك يدل على مضمرك ، أي : إن ظاهرك في نصحك يدل على عتبك في باطنك . ( 2 ) قال التبريزي : أي أقبح من شكوت إليه عشقك عاذل قد أولع بعذلك ، فشكايتك إليه لا تنجع . ( 3 ) قال التبريزي : أي إن شئت أن ترى وتعلم قلة صبري على ما أحدثته الفرقة ، فانظر حال الطلل . وقال المرزوقي : يقول : إن أردت ألا توجب صبرا على من ابتلي بفراق أحبته ، فانظر إلى الطلل وتأمله كيف اشتمل عليه البلى بفراقهم له ، وانتقالهم عنه .